نجمتان بعيداتان
للاغتراب انشودة طويلة …. و للشوق معلقات لا تنتهي .. وللحنين وريد ممتد .. وللكلمات صمت يليق بها !
هل اللغة تفقدنا الكثير من حقيقة ما نود قوله او كتابته .. لتصبح الاحاديث والسطور بعض ما قصدناه .. وبعض ما رغبنا بقوله .. لكنه ليس تماما ما نفكر به .. او نشعر به حقا .
هل تفتقد بعض ذاتك خلال يومك .. تارة عبر بذلها للاخرين وفق طبيعة متمكنة منك .. لا ترتدي ثياب الضعف بوضوح وليست اختياره بشكل كلي .. وتواريها بكل ما بها من رغبات انسانية بسيطه بعيدا عنك قبل الاخرين … فتدفن الكثير من الامنيات المشروعه تحت ثرى الحياة الروتينية .. وتغتال كلمات وجمل فكرت بكتابتها او قولها ولم تفعل خوفا من ردة الفعل حينا ومن ذاتك احيانا اخرى .. لقد زرعوا بنجاح ومنذ طفولتك رقيب داخلي لا يرحمك .. كلما هممت بالانطلاق اخرج لوحة الاصول التي يجب اتباعها .. وذكرك بالاداب والعادات المتبعة والمتعبة ومع ذلك تتبعها وتتبعه .
تحتسى القهوة وبداخلك غبن ما .. تباشر يومك وبداخلك غضب ما … وتراقب من يتحرر ومن يدعي ذلك .. ومن يعيش لذاته .. ومن يتفانى بكل صدق في عطاء الاخرين … فتبحث عن ذاتك بينهما و تتسال من انت حقا .. فيصعب عليك اختصار حقائق عديده تعرفها عن ذاتك باجابة واحده !
تمطر بداخلك .. ترعد … تبرق .. رغم سكون الطقس وامتداد الربيع بالوانه ..دون بهجة حقيقية تذكر .
تضئ خلال يومك .. مصابيح عديده .. في المكتب وغرف النوم ودورات المياه .. ويصعب عليك ان تفتح ابواب روحك لتضئ عتمة تغرق بها كل صباح رغم الشمس .. ووضوح الرؤية … وكان هذه الابواب اغلقت بمزلاج ثقيل ..وقفل ضاع مفتاحه .. ولا تستطيع ان تحدد اليد التي فعلت ذلك بشكل مباشر .. هل هو النجار الذي بنى هذا الباب .. ام الحداد الذي اتقن صنع اقفاله .. وكم من حداد او نجار مر على هذا الباب وترك بعضه به .
وهل تلوم الاخرين حقا فحسب .. ام تلوم ذاتك دون ان تحدد على ماذا هذا اللوم … على الاستسلام وعدم التغيير … ام على السكوت لهم في المضي فيما يفعلون وعدم اخذ موقف جاد …ام على مشاركتك لهم في مواقف عديده وتحت مسميات وتبريرات عديده تقدمها لذاتك لا لهم ومع هذا لا تقنعك في الغالب وان فعلت حينها .
ترغب بالانعتاق من هذا الجسد .. الفرار بعيدا عن هذا المحيط .. تتخيل بيئة جديده .. تفكر بالكثير الذي لا يتحقق .. تقارن .. تحلل .. تجامل .. وتتجمل .. ودائما تتنفس .. لكن ليس بكامل رئتك .. فهناك شئ جاثم فوق صدرك لا تراه ولكن تشعر به .. وتحمله معك اينما ذهبت .. بجسد لا يعبر عنك تماما … وشخصية بها بعضك .. لكنها ليست انت تماما … وعقل عبث به .. ليصبح بعضك وبعض كثير من الاخرين وبشكل غير ارادي … عبر القراءة .. الحديث .. التربية … وكل ماهو من هدفه ان يضيف اليك .. فتجده يبعدك عن ذاتك التي قد تشعر بوحدة تزداد بمرور كل عام جديد من حياتك …وبغربة ..تعيشها حتى لو كنت في احضان اقرب الناس اليك !
تشاهد ملامحك كل صباح في المراة .. تلامس بكفك المبتل بالماء وجهك ويظل بعضك بعيدا .. كنجمة بعيده … في فلك كبير .. تهيم به وتسبح برفقة جمع غفير .. من الضائعين .. رغم معرفتهم لعناوينهم .. واسمائهم … وارقام هواتفهم وسجلاتهم المدنية .
ولكن هل يمضى بك العمر دون ان تلتقي بهذا الجزء الضائع منك !؟
ربما في بلد غريب …حين تسير فوق الارصفة الرماديه المبتلة برائحة المطر ….تشعر ببعض ذاتك المفقود .. وتستنشق رائحة حرية تدرك انها مؤقته لكنها تشبه النفس الذي ياخذه الغريق بين كل غطسة طويله واخرى .. كي لا يموت حقا وتصمت انفاسه بشكل تام .
ومثله تماما .. في عز هذا الانطلاق تذكر انك عائدا لقاع المحيط .. فيتعكر صفوك ومع هذا تستمر في التنفس ومحاولة الهروب من الغرق الذي تمكن من سلب عمر كامل منك .. دون ان تتعلم السباحة او يلقي لك احدهم طوق نجاة .. ولكن هل يعلم بغرقك اليومي احد !؟
لا تفصح لهم .. وربما هم كانوا يغرقون مثلك ولا يفصحون … يمضى العمر وكل منا يجتهد في احكام اقنعة عديده على وجهة مخافة ان يرى ملامح الهلع وتعابير الخوف اي عابر غريب … فنبدو من بعد للمارة وبكل وجه جديد .. اننا شخص آخر .. مرة سعيد .. مره منهمك بعمله .. مرة عاشق .. مرة متصالح مع ذاته .. ومرات اخرى انيق .. ذكي … متكبر .. اشياء عديده .. الا انفسنا حقا !
والمؤثر اننا قد نسمي هذا الوقت الضائع في التماهي والادعاء والتظاهر … حياة !
والمؤسف اننا نحيا ونحن ممتنين للاكاذيب العابرة … فما الحياة ان لم نحب حتى ولو من عابر سبيل كاذب .. وما حياتنا ان لم نكن الشخص اللطيف المعطاء … ولو لبرهة من الوقت … حتى وان لم يكن هذا العطاء صادق .
اما المحزن في كل هذا … مرور الصدق في حياتنا ولفرط كذبنا لا نصدقه .. فيضيع غرقا بسبب امواج شكنا .. و محيطات ظنوننا … وامطار خوفنا .. وكل ما هو سئ بنا واكتسبناه من تجارب سابقه حدثت لنا .. او لاخرين نعرفهم .
وقد نكون السبب الحقيقي لدفع قلب صادق برئ الى احضان الريبة والشك .. وعدم الثقة بالآخر .. ليكرر ما حدث لنا … دون ان يكرر تفاصيله واسمائه واماكنه .
.. قد يجرفه النسيان … وتبقى عيناه .. نجمتان بعيدتان .. لهما مع الاغتراب انشودة طويله … و يبقى للكلمات صمت ..يليق بها !
Tuesday, 05 April, 2011
About this entry
You’re currently reading “نجمتان بعيداتان,” an entry on الكتاب المفتوح
- نشر:
- أبريل 11, 2011 / 4:38 م
- التصنيف:
- 2011
- الأوسمة:
تعليقات
Jump to comment form | comment rss [?] | trackback uri [?]