قدري ان احبك اكثر

أبي الحبيب
من المؤكد أنك لن تقرأ هذه السطور  ولن تطالع عيناك حروفها المخضبّة بالندم ..
… ندمٌ على وقتٍ كان بإمكاني أن أستغله معكَ بشكلٍ أفضل ، وأسفٌ على عمرٍ انتهى حين بدأتُ أفهمُ وأعي كيف أحبكِ بالشكل الذي يليق بك !

أما أنت .. فقدأحببتني بشكلٍ يفوق سلوكي و بطريقتك ، بسطتَ ليَّ مساحةً كبيرةً من التسامح والتغاضي عن أخطائي وتجاوزاتي في حقك  منذ طفولة مبكرة ، ومراهقة عصيّة ، وشبابٍ متباهٍ .

كان الصمتُ ردكَ الدائم … وكنتُ ألبسهُ ثياباً لا تُفسرُ حقيقته ؛ فهو كان صمت الكبير الحكيم ، وكنتُ أتصوّرُ في تلكَ المرحلةِ من عمري أنّهُ صمتُ من لا يملكَ إجابةً لحقيقةٍ اعتقدتُ بنرجسيةٍ أني قلتها فابتلعك بعدها السكون ، تصوّرتُ أني الصواب دائما، كنتَ ترددُ أمامي ملياً مقولة الإمام الشافعي “   رأينا صوابٌ يحتمل الخطأ ،ورأي غيرنا خطأ يحتملُ الصواب ” ، وكنتُ لا أكترثُ وأمضي مع ما أعتقدهُ وأظنهُ .

كنتَ تؤمنَ بالحوار … حتى وإن جادلتكَ وخالفتكَ الرأيَ ، وإن قلتُ مابه صوابٌ أمامك أيدتهُ واحتويتهُ ، بل واستشهدتَ فيه لاحقا ؛ لأشعرَ بالتيه ِوبعض الانتصار الساذج لكونكَ ترددُ كلامي .

هل كنتُ أحمقاً ، صغيراً ؟ … لا أدري ، ولكن المؤكد أنّ بعضَ سلوكي كان يغلبُ عليّ ، وكنتَ تساعدني على ذاتي باحتمالكَ ، وسكوتكَ ، ونصحكَ حين أطرقُ بابكَ حائراً طالباً النصيحة … كانت نفسيتي هي أكثرُ ما يهمك … وثقتي بنفسي …. وأموراً آخرى تتجاوز شهادتي و درجة تحصيلي وما شابه من أمورٍ … فأنتَ تؤمن بأننا كأبناءٍ لكَ لم نُخلق للتباهي بنا وفقَ المعايير المتداولة وبشكل استعراضي … بل تؤمن أننا بشرٌ و لكلٍّ منا خصوصية ، وسعيتَ أنتَ و والدتي لئن نحتفظ بالسماتِ الخاصة بنا قدر المستطاع …  خلال رحلةٍ يفقدُ الإنسان بها الكثير حتى أعزّ الناس لديه .

معكَ … لم يكن هناك أبواب مغلقة … حتى في الحوار … وربما تكون الشخص الذي عرف الأمور الأكثر سوء في حياتي وساعدني على تخطيها … ربما تمضي شهورٌ لاأجلسُ معك فيها جلسةً حميمية ، أو أتحاور بشكلٍ أحتاجهُ ، وأنشغلُ بحياتي اليومية وبتفاصيلٍ أقل أهمية …. وتتركني … وأعلمُ داخلي أني إن أتيتُ  لن يتجاوز العتب كلمةً صغيرةً أو عبارةً قصيرة … ولن يتواجد و سيتلاشى إن كنتُ أتيتُ لك محملاً بتعبٍ ما ، لن يكون له مكان و ستستمع لي فورا وترشدني ماذا أفعل …. أو ربما تطرح الموضوع لي بطريقة لم أفكر بها فأراه من زاوية اخرى أقل ضغطاً وأكثر أملًا وتسامحاً وتجاوزاً .

كان أصدقَ مابك انك لم تكن خاليا من العيوب … و كان اجمل ما بك انك كنت حقيقيا للنخاع .. فكنت الانسان بتناقضته ومحاولاته وفشله واجتهاده .. بآماله الكبرى وخيباته .. في الاصدقاء .. في التجارب … ومع ذاته والحياة الدنيا التي تلتهم ايامنا واحلامنا .. ثم توارينا تحت ترابها وتحتوينا الى يوم بعث معلوم .

بمرورِ الوقتِ أدركتُ أنكَ كنتَ كالشمسِ المشرقةِ في كلّ صباح ، تمنحُنا أشعتها وتمنح الحياة الكثير ، لكن لفرط ما ألفناها ربما لم نلتفت لها ، أو نتوقف أمامها لنعي طبيعتها وخصوصية عطائها ، كنتَ متواضعاً و غيرَ تصادمي ، لم تكن شوكة بل كنت عشبا ممتداً ، كنا نسيرُ حولكَ دون أن نتأمل لونك والمساحات العديدة التي تغطيها ، بل وقد نسيرُ فوقك في أحيانٍ كثيرة فلا تعترض وتفسح لنامجالاً أكبر ، وتزداد إخضرارًا وسعادة بنا بشكلٍ مذهلٍ لم نستوعبه ، ولم يستوقفنا كونها كانت طبيعتك التي عرفناها وألفنها منذ أن خُلقنا.

كنتَ تتسامحُ ملياً ، فأعتقدهُ عدم قدرةٍ على المواجهة أو ضعفاً ما ، كنتَ تمنحُ فرصآً عديدة  فكنتُ أعتقدُ أنكَ لا تتعلم من أخطائك وتُلدغُ من الجحرِ ذاته أكثر من مرة ، كنتَ مجاملًا للحدّ الذي تعلم به أنّ من أمامك يكذبُ  وتبدي تفاعلك معه وتصدقه دون أدنى محاولة لإحراجه أو تكذيبه .

والمخجلُ أنكَ كنت تراني أفضل مما أرى ذاتي ، وتتقبلني أكثر مما كنت أتقبلها  وأكاد أشك أنك تحبها أكثر مما أحببتها أنا شخصياً ؛ فأنتَ كنت تدعمها في حين كنت أقلل منها وانتقصها ، أنتَ ترى أن عيوبها جزء من تكوينها ومن تجربةِ الحياةٍ ككل ، وأنا أراها مصاباً أكبر يجب التخلص منه ، كنتَ تستشهد بقول الله تعالي ” ولا أقسم بالنفس اللوامة ” و تدعوني لئن تتسع زاوية الرؤيا لديّ ، ولا أضيّقُ على ذاتي ، ومع الوقت وبالتدريج اتسعت ، وحين حدث   تسامحتُ مع ذاتي ، و رأيتك كما كان يجب أن أراكَ منذ البداية .

والمدهشُ أني بعد رحيلك رأيتكَ مرةً أخرى في عباراتِ معزيك ، ودعوتُ الله أن يجعلهم شهدائه في الأرض ، ويتقبّل منهم خالص دعائهم ، وفي كل مرة أراكَ بها من جديد أجدكَ تزداد طولًا وجمالًا وعلواً في نفسي ، وأحزنُ بعمقٍ لا لرحيلكَ ؛ كونه حقٌ ، وقد أخبرتنا ومنذ زمن ” .. كل شئ في الحياة يتقبّل الشك .. إلا الموت .. فهو حقيقة “  لكنه حزنٌ كوني لم أحبكَ بالشكلِ والطريقةِ التي تستحق ، لكن عزائي أني أعرفكَ ، وأدركُ أنكَ إن قرأتَ سطوري هذه ستقول بتغاضٍ متجاوزٍ وتسامحٍ نبيل .. ” لو لم تكتبها لكان أفضل ؛ فهي لا تمثلكَ ، وُتدينكَ ، كما إني لاأراكَ قصرت ، وأنتَ أفضلُ مما ذكرتَ عن نفسكِ ، وأفضل مما ترى نفسكَ ” .

اعذرني إن فعلت وكتبتُ سطوري هذه ، واعذرني إن قصّرتُ في حياتكَ ، واعذرني ان لم أكن موجودا لتشييع جثمانك ،  والوقوف في عزائك مع باقي إخوتي … المدهش أيضاً أني اسمعك وأنا أكتبُ هذه السطور تردد ” .. معذورٌ ..معذورٌ .. معذورٌ .. ” !
وأنا أرددٌ بصمتٍ ” مشكورٌ .. مشكورٌ … مشكورٌ .. وبإذن الله ، ورحمته الواسعة ذنبكَ مغفورٌ … مغفورٌ … مغفورٌ …وإلى لقاءٍ مهما طال قريب .. في دارٍ لا نهايةَ بها ولا فراقَ ولا حنيَن .. فانتظرني هناك ياحبيبي ” .

الاربعاء ٢٨ سبتمبر ٢٠١١ميلاديه


About this entry