النافذة

أراقب البشر من خلف نافذتي ، بعيون زجاجية تبحث عن غريب مثلي ، أتفرس كل رجل يقطع الطرقات وحيد ، كل فتاة تسير على الأرصفة أو تقف خلف النوافذ وتراقب من بعيد ، أتسأل : هل كل هؤلاء مثلي ؟؟

يبحثون عن يد بيضاء مضيئة تنزع عباءة الوحدة السوداء من فوق أجسادهم ، تكسر الجليد المتراكم فوق قلوبهم المجمدة ، تضئ عتمة نفوسهم بشعاع من حنان ، ليروا بداخلهم أشياء لم يروها ، ويدركوا  أمور في السابق لم يدركوها ، يد تهدهدهم وتعبث بالسكون المحيط بهم ، تخلق لهم حياة وتغرس في صحاري يأسهم بذور الأمل ، تفجر طاقاتهم وتدفعهم من مقعد الكسل للعمل ، تغسل أبدانهم و أرواحهم  بماء الحب الطاهر ، تداوي كل جرح لم يندمل ، تزيل من ذاكرتهم قصص لم تكتمل ، تعطيهم بداية جديده ، وسعادة فريدة ، ليست قوية ولكن دائمة ، يد تشرق بحياتهم وتدفع السحب الغائمة .

لكن هل هذه النفوس مثلي ؟؟

تخشى مصافحة اليد القادمة من بعيد خشية أن تفقد أيديهم إصبعا من أصابعها ، هل الخوف من القادم المجهول تمكن من أنفسهم ، وعشش كالعنكبوت بداخلها ، هل الصمت الذي يحيطهم هو غلاف يقيهم كصدفة الحلزون ، هل الوحدة سياج اعتقلوا ذواتهم بداخله متقين سلفاً عبث الآخرين بهم ، هل هذه النفوس تخشى سلبيات تجارب الآخرين ، لا تملك القوة الكافية لخوض المغامرة ولا الشجاعة لتقبل أي جرح جديد ، يخافون الألم بنفس المقدار الذي يشتهونه ، يدعوهم سيف التجربة لكنهم لا يخرجونه من غمده خوفاً من النزيف ، هل هناك لعنة تحيطهم فتجعلهم لا يخطون إلى الأمام خشية السقوط ؟ ، هل أيامهم تمر بهم وهم فريسة للتردد وللزمن الذي يلتهم كل يوم يوماً من عمرهم ؟

اقف الآن بجوار حيرتي الأزلية وأنا المح وجهه القادم من بعد ، أتسأل : هل أسدل ستائري واتحد بصمتي ؟  هل افتح نافذتي و أناديه ؟  ، بداخلي سؤال يدفع سؤال ، تمضي الأسئلة بلا إجابات ، ويمضي هو بعيداً دون أن أصل لنتيجة ، ابكي على مقعدي قليلاً ، حزينة على ضياعه ، رحل قبل أن اصل له ، وقبل أن يراني ، الأمل في حياتي بات خط نحيل في الأفق ، أجفف دموعي متمتمة ” الطريق حتماُ سيأتي بوجه جديد ” ، اتجه للنافذة مرة أخري ، يتبعني ظل اسود كبير ، الغيوم الرمادية تلون السماء ، والكآبة تلون أيامي ، اقف خلف الزجاج أراقب وجوه المارة من جديد ، ولا املك شيئا سوى أن  أتسأل .

الأحد  10/1/ 1999  ميلادي


About this entry